لمحات من ذكريات الطفولة

        

ولدت في عام 1964 في منطقة شرق وذكرياتي فيها قصيرة جدا فهي اجمالا ومضات جميلة، ولحظات رائعة ثم في منطقة الدوحة بدأت رحلت الوعي والادراك والشعور الذي يرافقني غالبا ولا يفارقني إلا نادرا. فقدتُ والدي وأنا في المرحلة الابتدائية ولازلت أذكر هول الصدمة لوالدتي رحمها الله التي كاد النبأ الأليم أن يفقدها صوابها. ومضت الأيام وعشت مع إخوتي حياة اليتم وكان الحبيب أخي أحمد رائدنا ورغم كثرة الأعباء وضيق الحياة عبرنا معه فترة اليتم وجسر الصبر بنفس أبية وحياة مليئة بالكرامة.

لازلت أذكر أنني حصلت على درجات ضعيفة جدا في الصف الثاني الثانوي واجتزت المرحلة الثانوية بشق الأنفس كانت البداية عندما أُصبت بكسر في رجلي وكان أن أهملت وقصرت في دراستي…توقعت حينئذ أن أخي الكبير رحمه الله سيضربني ويعاقبني لتقصيري. وكنت أترقب حضوره خائفا وظننت أن عقابي سيكون عسيرا كيف لا وهو الذي يقول لنا دراستك تنفعك ولا تنفعني. مضت الأيام فإذا بي أحصل على شهادة درجاتي المدرسية وكان ما كنت قد توقعته فعلا حيث رسبت في مادتين. لقد رسبت في دراستي لأول مرة في حياتي. بين إقدام وإحجام جمعت ما تبقى لدي من عزم وسلمت شهادتي إلى أخي أحمد رحمه الله تعالى. كنت خائفاً من العقاب البدني ولكن لم يحدث ذلك مُطلقا فلقد كان كعادته هو الرحيم بالأيتام، الحليم في التعامل معهم.

قال لي أخي أحمد: يا أخي “بدر” إن رسوبك خسارة لك وليست لي. شهادتك وعلمك لك أنت. رفع قلماً كان معه ثم قال: القلم فيه خير كبير. هذه الكلمات كانت كقاصف من الريح الذي حرك كل أحاسيسي ومازلت أذكر القلم مرفوعا فهو طريق العلم دائما. جددت العزم على الجد والمثابرة وبين وثبات النجاح وسقطات الرسوب أحياناً سارت الأيام ومعها كثير من الآلام فهل تحققت الأحلام؟

وشاءت الأقدار أن أتغرب وأترك الأهل وفي تاريخ 29 – 10 – 1992 م كتبتُ إلى زوجتي أصبرها فقلت إن هذه الأيام ستصبح يوماً “مجرد ذكريات نتسامر بها، ونسردها لأبنائنا .. يا رفيقة الدرب … حسبنا من هذه الدنيا أننا نصنع مجدنا فإن وصلنا فهذا مبتغانا وإن كان غير ذلك فقد بذلنا…الدرب طويل، والثمن غال، والهدف نبيل. الثبات الثبات يارفيقة الدرب ولا تلتفتي إلى التضحيات ولكن انظري إلى الغايات، والآن عودي إلى أولادنا وعلميهم الثبات والاستقامة”.

شققت طريقي وأتممت دراسة الدكتوراه وفي نفس تاريخ ميلادي شاء قدر الله سبحانه أن أحصل على شهادة الدكتوراه وازددت يقيناً أن البذل أساس التوفيق وأنه يبدأ من داخل النفس وأن التوفيق رزق في السماء وليس بيد البشر.

عُدت إلى الكويت وفي جمع من الأصدقاء أنشد الأخ الشاعر سلمان مندني هذه الأبيات:

أقبلتَ تفخر بالشهادة عالِمــــــاً

لكنْ لَها بِكَ يحصَلُ الفخـــــــرُ

أعطيتَ جَهْدكَ مخلِصاً متصبِّــــــراً

أمران يحصَل فيهما النّصْـــــــرُ

لكنّ بَعد الجُهْدِ تلقى راحـــــــةً

ما طالَ ليلٌ بعدهُ الفجْــــــــرُ

ولقد رجعتَ فمرحباً يا عــــــائداً

لِسماءِ ربعِكَ عدتَ يا بــــــدْرُ

  في يوم التخرج فشلتُ في أن أمنع دمعتي عندما تذكرت أخي أحمد الذي أيقظني من غفلتي ثم فشلت مرة أخرى أن أمنع دمعتي وأنا أكتب هذه الحكاية لأنني كنت أود أن أقول لأخي: إن الكريم هو كافل اليتيم ..إن العظيم هو الذي يغير الناس من الداخل..إن العظيم هو الذي يربي بالرفق..ولكن هكذا شأن بعض الكرماء في هذه الدنيا يرحلون فجأة ولا يسمحون لأحد أن يشكرهم في لحظة وداع ولو بكلمة ثناء أو دمعة وفاء.

لم تمض مدة يسيرة على رجوعي للبلد حتى بدأت برحلة ثانية لتكمل زوجتي لطيفة دراستها العليا ورغم أنني ادخرت من المال ما ظننت أنني قد بذلت الأسباب ومعنا خمسة من الأبناء إلا أن الأيام أثبتت أن الحذر لا يدفع القدر!

وحانت ساعة الفراق فتركت الأهل ولأن الغربة قد تطول لم أجد بُداً من الاستغناء عن مكتبتي التي كانت جنتي في الأرض وكأني أنظر للشاعر يرثي حاله وحال أمثاله بعد فراق مكتبته:

أَنستُ بها عشرين عاماً وبعتها وما كان ظني أنني سأبيعُها وقد تُخرِجُ الحاجات يا أُمَ مَالِكٍ

وقد طال وَجدي بعدَها وحنيني! ولو خلَّدتني في السجون ديوني! كرائم من رب بهن ضنين!

طلبت والدتي الغالية [رحمها الله تعالى] أن أضع مكتبتي في بيتها كما فعلتُ في الرحلة الأولي لمدة خمس سنوات ولكني لم استحسن الفكرة فعتب علي الجميع فجزاهم الله خيرا. ومازلت أحن لذكريات تلك المكتبة والحمد لله الذي عوضني لاحقا مكتبة تسر الناظرين وتسعف الباحثين.

وفي بلاد الغربة وبعد سعة الحال ضاقت الأمور وساءت وحينها طلبت من صاحب لي أن يرد لي عشرة آلاف دينار كان يستثمرها لي وبعد معاناة وتهرب يطول شرحه علمت أننا قد خسرنا! كانت خسارة كبيرة أن تخسر صديقا تحسبه من المحسنين ثم يستغفلك في ساعة الحاجة! ومن شدّة الغضب بعثت إليه برسالة قصيرة شديدة اللهجة!

أسأل الله أن يصلحنا جميعاً.

لم تزل التحديات تلاحقنا فالحوادث المرورية خطفت الأحباب … هممنا بالعودة ولكن الله قذف الصبر في قلوبنا ولم نقطع رحلة طلب العلم …

وفي بلاد الغربة تشرفت بالعمل كرئيس لمركز اسلامي في مدينة ستيت كولج كما عملتُ في المؤسسات الإصلاحية كمرشد ديني واجتماعي لمدة 800 ساعة وفي نفس اللحظة شاركت في العديد من المؤتمرات العلمية في جامعة بن ستيت فتحدثت عن أثر الحضارة الإسلامية في التربية الغربية ونشرت العديد من المقالات القصيرة للتعريف بالإسلام ونشرت في جريدة السنتر ديلي تايم. كنتُ في بداية فترة الشباب أتمنى أن يشرفني الله بالدعوة للسنة النبوية فتحقق ذلك بفضل الله وحده فكتبت رسالة الماجستير والدكتوراه في هذا الباب الجليل من منظور تربوي ثم توالت دراساتي في هذا المجال.

ومضت الأيام وتحققت الأحلام وأسرد هذه الذكريات من باب: وأما بنعمة ربك فحدث فالحمد لله رب العالمين.